ابن ميثم البحراني
299
شرح نهج البلاغة
إلى فقرهم وضيق معاشهم لأنّ دبر الجمال واستعمال الوبر وأكله بالدم من لوازم الفقر وضيق الحال ، وعلى الرواية الأخرى فالدبر كناية عن الفقر أيضا ، وظاهر أنّهم أذلّ الأمم دارا لأنّ أهل البادية ليسوا أصحاب حصون وقلاع يعتصم بها وإن كان لبعضهم حصون فعساه يحميهم عن أمثالهم فيما يجرى بينهم من الغارات ، وليس ذلك ممّا يدفع عدوّا ذا قوّة أو يحتمل حصارا . وقوله : وأجد بهم قرارا . أي مستقرّا . إذ كانت البادية لا تقاس إلى المدن في الخصب ، واستعار لفظ الجناح لما ينهض به دعوتهم ويقوى إذا دعوا ، وكنّى بذلك عن كونهم لا يأوون إلى من يجيب دعوتهم فيعتصمون به ، وكذلك استعار لفظ الظلّ لما يستلزمه الألفة من التعاون والتعاضد والتناصر ، ووجه المشابهة هو ما يستلزمه هذه الأمور من الراحة والسلامة من حرارة نار العدوّ والحرب كما يستلزمه الظلّ من الراحة من حرّ الشمس . وقوله : فالأحوال مضطربة . شرح لحالهم يومئذ وكونهم على غير نظام ، وكنّى باختلاف أيديهم عن عدم اتّفاقهم على التناصر وبتفرّق كلمتهم عن عدم ألفتهم واجتماعهم على مصالحهم . وإضافة بلاء إلى الأزل بمعنى من . وكذلك إضافة أطباق ، وقد علمت أنّ للجهل صفات ودركات متراكم بعضها فوق بعض أولاها عدم العلم بالحقّ ، وفوقها الاعتقاد بغير الحقّ ، وفوقها اعتقاد شبهة يقوى ذلك ويعضده مع تجويز نقيضه ، وفوقها اعتقاد تلك الشبهة جزما . وفي نسخه الرضى - رحمه اللَّه - وإطباق بكسر الهمزة على أنّه مصدر والمعنى وجهل مطبق عليهم . وقوله : من بنات . تفصيل للوازم ذلك الجهل ، وذكر منها أربعة أنواع : أحدها : وءد البنات ، وأشار إليه القرآن الكريم « وإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ